ابن ميثم البحراني

106

شرح نهج البلاغة

إلَّا أنّ تفطَّن الغادر يستعمله في استنباط الحيلة وإن خالفت القوانين الشرعيّة وفاتت المصالح الكليّة في جنب مصلحة جزئيّة تخصّه ، وتفطَّن الكيّس إنّما يستعمله في ايقاع رأى أو حيلة تنتظم مصلحة العالم وتوافق القوانين الشرعيّة ، ولدقّة الفرق بينهما استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس ، ونسبهم أيضا الجاهلون في غدرهم إلى حسن حيلتهم كما نسب ذلك إلى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبه ونحوهما ، ولم يعلموا أنّ حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور ، وأنّه لا حسن في حيلة جرّت إلى رذيلة . وقوله : ما لهم قاتلهم اللَّه قد يرى . إلى آخره . دعاء عليهم بقتال اللَّه لهم بعد استفهامه عن خوضهم في أمره استفهاما على سبيل الإنكار ، وقد علمت أن قتال اللَّه كناية عن عداوته والبعد عن رحمته ، وظاهر أنّ أهل الغدر بعداء عن رحمة اللَّه ، ثمّ أردف ذلك الدعاء بالإشارة إلى أنّه لا فضيلة لهم فيما يفتحزون به من الذكاء في استنباط وجوه الحيلة إذ كانت غايتهم الغدر والخيانة فإنّ الحوّل القلَّب في الأمور قد يرى وجه الحيلة عيانا إلَّا أنّه يلاحظ في العمل بها مانع من اللَّه ونهيه عن ارتكابها لما يؤدّى إليه من ارتكاب الرذائل الموبقة فيتركها رأى عينه : أي حال ما هي مرئيّة له وبعد القدرة عليها خوفا من اللَّه تعالى . ثمّ يراها من لا يعتقد إثما في حزم قواعد الدين فيبادر إليها حال إمكانها وليس ذلك لفضيلة بل الفضل في الحقيقة لتاركها عن وازع الدين ، والإشارة بالحوّل القلَّب إلى نفسه فإنّ شيمه الكريمة كانت كذلك . 41 - ومن كلام له عليه السّلام أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ إثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الأَمَلِ - فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ - وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ - أَلَا وإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ - فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ - اصْطَبَّهَا صَابُّهَا - أَلَا وإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ ولِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ - فَكُونُوا